الرئيسية | منوعات | عن الرقابة التي انتهى زمنها

عن الرقابة التي انتهى زمنها

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

بقلم : علي جمالو


واحدة من الحقائق التي أصبحت مؤكدة ولا تحتاج إلى نقاش في عصر الاتصالات هذا حقيقة التغيير الكبير الذي يحدث في حياتنا نتيجة انفتاح الحدود بالمعنى المجازي للكلمة بين الدول والأمم بواسطة شبكة الانترنت وتدفق المعلومات في كل اتجاه , في الواقع بدأ هذا التغيير بطيئاً نهاية القرن الماضي وتصاعد خلال هذا العقد إلى درجة مثيرة للدهشة , وهذا الانفتاح القسري ايجابي وسلبي في وقت واحد وهو يضع مجتمعنا أمام تحديات جدية ترتبط بالكيفية التي نتعامل فيها مع تجليات الموضوع وتداعياته .


فإذا استسلمنا للانكماش و الجفلة والخوف من هذا التطور كما يحدث الآن في بعض مؤسسات الدولة خسرنا فرصة الاستفادة من استثماره , وإذا اندفعنا معه أو خلفه من غير حكمة وفهم كما تفعل بعض شرائح الجيل الجديد سقطنا وأسقطنا كل قيم المجتمع ومنظوماته الأخلاقية والثقافية المستقرة , هذا فضلا عن الأضرار السياسية البالغة التي قد تنشأ جراء ذلك , افتح قوسين هنا للتذكير بأن بعض الجيل الجديد بدأ يتحدث بلغة طائفية متفق على أنها خطرة وبغيضة وأتكهن بأنها تتكئ على مناخات ولدت في لبنان منذ زمن ثم ولدت ثانية في العراق منذ وقت قصير وهي تطل برأسها في مصر , ولمن يرغب بمعرفة المزيد عليه أن يتابع ما ينشر على الشبكة – بالتأكيد لن اكتب عناوين المواقع هنا – وقبل أن تذهب عزيزي القارئ إلى استنتاج سريع بأن ما أكتبه في هذه العجالة يشكل حاضنة للمطالبة برقابة ما أقول بصراحة, أنا ضد الرقابة ليس لأنها ترتبط بالمنع القسري فقط بل لأنها في الواقع لم تعد تجدي نفعاً , ففي هذا العالم المبهر يسجل المبدعون والمخترعون كل يوم نجاحات كبيرة على جبهة ثورة الاتصالات وهذه النجاحات أسقطت كل وسائل الرقابة التقليدية وغير التقليدية ونحن الآن على بعد نصف خطوة من إطلاق وسائل الاتصال ما فوق الوطنية حيث سيبدو حجب هذا الموقع أو ذاك نكتة سمجة تنتمي إلى الماضي لأن الاتصال مع شبكة الانترنت سيصبح متاحاً من غير تدخل الحكومات الوطنية أي إن زمن الرقابة انتهى , والعالم يستعد للدخول في مرحلة اللامعقول بل إن بعض المجتهدين دخلوا فعلا في هذه المرحلة من خلال استخدام وسائل بسيطة وذكية في آن واحد لمجابهة سياسة الحجب مثل استخدام (اي بي) المعتمد في دولة أخرى وهكذا يدخل هذا الشاب أو ذاك على الشبكة بشروط تلك الدولة بعد تضليل بوابات الرقابة , والطريف أكثر بل المؤلم أن تلك الدولة (الأخرى) لديها سياسة منع بعض المواقع السورية وبالتالي فإن منع المواقع السورية يصبح سارياً على مستخدمي هذه الطريقة من السوريين داخل الأراضي السورية وبتبسيط أكثر فإن هذه العملية تفتح المواقع المحجوبة وتحجب المواقع الوطنية وعلى سبيل المثال أصبح عدد الذين يدخلون موقع الفيس بوك في سورية مئات الآلاف مع العلم أن الموقع لا يزال شكلاً تحت الحجب .! وفي المقابل تراجعت أعداد الذين يدخلون بعض المواقع السورية لأنها أصبحت محجوبة فعلاً ..! بفضل هذه الـ (اي بي) المستوردة , انا شخصيا لديّ صفحة على الفيس بوك وهي تربطني بأكثر من ألف صديق في أربع رياح الأرض وطبعا لن أدخل في نقاش حول الفيس بوك وضرره وفائدته لأن هذا يخضع لاعتبارات قد لا أفهم بها ولكن أستطيع أن أجزم أن حالة الحجب القائمة حاليا ضارة جدا وغير مفيدة وهي تؤدي الى نتائج عكسية ..ان هذا المثال يعطينا إشارة أولية عن التعامل الخاطئ مع الشبكة وأضراره ولذلك ينبغي البحث عن بدائل ، إننا أمام امتحان صعب ولاشك وينبغي التفكير مليا في هذه المعضلة والشروع في البحث عن حلول صحيحة وهذه وظيفة المؤسسات الرسمية والجمعيات الاهلية المعنية بالدفاع عن القيم الثقافية والاخلاقية من غير المساس بحق المعرفة وحرية التعبير, نستطيع التذكير – كقياس - ببدء مرحلة دخول الصحون اللاقطة الى حياتنا قبل قرابة عشرين سنة وكيف تمت مواجهتها في البداية بالمنع والمصادرة وهي اليوم تغطي أسقف البيوت بل والجدران ويقدر عددها بنحوخمسة ملايين صحن لاقط وجميعها – ياللمفارقة – غير شرعية وانما يمكن ادراجها تحت بند غض الطرف الحكومي عنها إذ لايوجد في القانون السوري مادة تمنع أو تسمح أو تنظم هذه الوسيلة ولو أننا منذ البداية تعاملنا بجدية معها ووضعنا لها الإطار المنطقي والقانوني لكنا أفضل حالاً مما نحن عليه اليوم ولما كانت هذه الصحون تقصف بيوتنا بمحطات التخلف والطائفية والبشاعة وكيلا نكرر السقوط في الحفرة مرتين ولا تقصفنا شاشات الكومبيوتر بموادها السامة تفضلوا نناقش الأمر بعمق ومسؤولية , تفضلوا نعلم شبابنا كيف يتحصنون من هذا التسونامي القادم عبر الأسلاك اليوم وعبر الفضاء غداً وتذكروا أن المنع ليس حلاً.‏

 

صحيفة تشرين
آفاق
الأحد 31 كانون الثاني 2010
 

أضف إلى: Facebook | Windows Live Favorites | Google | Yahoo MyWeb | Add to your del.icio.us | Digg this story

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع