جلال زين الدين: الصراع في سوريا.. هل يسير لبقاء النظام؟

جلال زين الدين: عربي 21

بعد سبع عجاف، يرى كثير من المتابعين للشأن السوري أن الثورة السورية تمر بمرحلة حساسة، مستندين في هذه الرؤية لأمور منها:

– امتلاك النظام زمام المبادرة العسكرية، واستعادة السيطرة على مساحات واسعة من الأرض على حساب تنظيم الدولة (شرق حمص باتجاه الشرق وصولا لحدود دير الزور الإدارية، شرق وجنوب حلب وصولا للحدود الإدارية للرقة)، وعلى حساب المعارضة، سواء من خلال استعادة حلب أو الوصول شمالا لمدينتي نبل والزهراء المواليتين، أو استعادة السيطرة على حمص المدينة كاملة بعد اتفاق الوعر، وأجزاء واسعة من الريف الدمشقي من خلال اتفاقيات التهجير.

– استمرار الخلافات بين فصائل المعارضة السورية المسلحة، إلى حدّ الاقتتال الداخلي، ناهيك عن حملات التخوين فيما بينها، كما هو حاصل في ريف دمشق وفي إدلب. ولم تخلُ مناطق درع الفرات من هذا الداء.

– تشظي داعمي الثورة السورية إقليميا ودوليا، فالدّاعمان الخليجيان الرئيسان، السعودية وقطر، يمرّان بحالة خصام لا يمكن التنبؤ بنهايته، ولا سيما أنّ هناك من يصبُّ النار على الزيت على أمل أن تصل الأمور لنقطة اللاعودة، ويضاف لذلك انحياز الداعم التركي للروس منقذي نظام الأسد على أمل أن يسهم هذا الانحياز في الخلاص من الكابوس الكردي الذي بات يؤرق الساسة الأتراك، ولا سيما بعد حسم الولايات أمرها باتخاذ الكرد حليفا لها في محاربة تنظيم الدولة، وتزويدهم للكرد بالسلاح النوعي.

ودوليا، بات الرئيس الفرنسي ماكرون، وغيره ممن ادعوا دعم الثورة، لا يرون الشرعية لغير الأسد.

هذه الأسباب وغيرها أعادت التوازن لنظام الأسد، وزادت من نقاط القوة، سواء عند النظام أو داعميه. فبدلا من انحسار النفوذ الإيراني الذي بشَّرَ به الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، نرى علي أكبر ولايتي مستشار خامنئي يصرح بأنّ “المقاومة تزداد قوة من طهران إلى البحر الأبيض المتوسط”. ولا شكَّ أن ولايتي يستند في كلامه على المعطيات الميدانية والمستجدات السياسية في المنطقة.

لكن في المقابل، فإن تبدل الموازين العسكرية والسياسية والخارطة الجغرافية خلال سبع سنوات؛ تجعل الرأي المخالف مقبولا وله حججه المنطقية المرتكزة على الحقائق التالية:

– ازدياد مساحات السيطرة لصالح النظام السوري ليس مردها قوة ذاتية أو كامنة في نظام الأسد. فالنظام لم يتعافَ. بل على العكس من ذلك.. فالتقدم على كافة المحاور تمّ على يد الميليشيات الطائفية، وبدعم جوي روسي، ووجود الأفغان والإيرانيين على جبهة جوبر المهمة في قلب دمشق، ووجود الميليشيات العراقية في البادية يوضح هذه الحقيقة. وفي السياق ذاته، فإن المناطق التي استعادها النظام من المعارضة تعد ساقطة عسكريا منذ مدة طويلة لانقطاع خطوط الإمداد، ومنها حلب الشرقية الجيب الأكبر.

– وما يؤشر لاستحالة عودة النظام، خلو المناطق التي يستعيدها النظام من سكانها الأصليين، بدءا من القصير مرورا بداريا والزبداني، وليس انتهاء بحلب الشرقية، مما يعني أن النظام بات رسميا للسوريين سلطة احتلال، ولا سيما أن النظام استجلب الطائفيين ليسكنوا القصير وداريا والشبيحة ليستعمروا بيوت أهالي حلب الشرقية. والاحتلال مهما طال سيرحل.

– ورغم استعادة النظام السيطرة على مساحات كبيرة، فإنّ هناك مساحات أكبر خارج سيطرته لا يجرؤ مجرد التفكير باستعادتها كالمناطق الواقعة تحت سيطرة “قسد” المدعومة أمريكيا شرق سورية، أو تلك الواقعة تحت سيطرة قوات “درع الفرات” المدعومة تركيا، والمحمية بغطاء سياسي روسي تركي، وهذا كاف للدلالة على استحالة عودة النظام في الاتفاقات المستقبلية.

– تشظي حلفاء الثورة السورية قد يكون عامل قوة للثورة السورية، فمن يعلم الوضع العسكري الداخلي يدرك أن الولايات المتحدة منعت وحدة البندقية الثورية، ومنعت تسليح الثوار بالسلاح النوعي، كما لعب الخلاف بين الداعمين دورا رئيسا في تمزيق الصف الداخلي للثورة السورية، وعقب هذا الوضوح والتباين، فإننا قد نجد دعما حقيقيا لصالح الثورة يقلب الموازين.

– أما التحالف الروسي التركي فينظر له كثيرون بإيجابية، رغم الجرائم الروسية بحق السوريين. فلا ينكر أحد دور التقارب الروسي التركي في لجم عدوانية الروس، ودوره في منع اتصال عين العرب بعفرين، مما حال دون سيطرة الكرد على الشمال السوري كاملا. ويعوّل على هذا التقارب في منع قيام دولة كردية.

ويهدف الأتراك من خلال تقاربهم مع الروس لحماية ما تبقى من الثورة في الشمال السوري، إذ منع هذا التقارب التهام الريف الشمالي من قبل تنظيم الدولة أولا، ومن الكرد ثانيا، وسيطرة الثوار على بقعة جغرافية محميّة بتفاهمات دولية يعني الدخول في عملية سياسية، وهذا بحد ذاته يثبت استمرار الثورة.

– وينبغي عدم الانخداع بالتحالف الإيراني الروسي في سوريا، إذ يلتقيان في الأهداف الآنية ويختلفان في المآلات، مما يعني تشظي هذا الحلف. فحال داعمي النظام ليس بأفضل حالا من داعمي الثورة.

– وعلى الطرف الآخر، نجد الولايات المتحدة التي تخوض معركة الرقة بالذراع الكردي، لكن عينها ترنو لما بعد الرقة، ويدرك الجميع استحالة إقدام النظام على مهاجمة مناطق الدعم والنفوذ الأمريكي. وإسقاط طائرة “سوخوي 22” مثال على ذلك.

– فالنظام فعليّا يقترب أو يكاد من السيطرة على الحد الأقصى الذي يستطيعه، والبقية الباقية من الجغرافية السورية يقف عاجزا عن السيطرة عليها. وهذا يعني استحالة بقاء النظام السوري على الأقل بتركيبته الحالية.

والنظرة الحيادية الشاملة للأطراف جميعها دون استثناء تظهر وتكشف حالة الاستنزاف العسكري والتململ الشعبي. فالجميع وصل حد الإنهاك، والجميع يستمر اعتمادا على الدعم الخارجي. وباعتبار الدعم الخارجي متعدد المشارب، فإننا في النهاية أمام جولات سياسية قد لا تؤدي للدولة التي ينشدها السوريون، لكنها حتما لن تسمح ببقاء النظام السوري.

المصدر : كلنا شركاء

انشر الموضوع

اعلام فوري بالاخبار الجديدة .. ضع بريدك