بيرني ساندرز: رجل الأحلام الخطرة والفرص الضائعة

قبل أن نبدأ حديثنا هنا عن الانتخابات الأمريكية والصراعات المتشعبة لها والتاريخ الاقتصادي السياسي الأمريكي، نريد أن نستعرض سريعاً المشهد العالمي الحالي وكيف يمكنه أن يؤثر في بنية الحدث الأمريكي الأهم.

يجتاح العالم حالياً وباءُ كورونا، متسبباً في وفاة ما يزيد على أربعة آلاف إنسان وعدد إصابات يتجاوز مئة وعشرين ألف إصابة. بدأ الفيروس في الصين، لينتقل إلي إيران والخليج العربي مروراً بأوروبا وتحديداً إيطاليا، التي أخذت ترتفع بها نسب الإصابة ومعدلات الوفاة، وهو ما أخضع البلد بأسره لحجر صحي. حتى وصل الفيروس إلى الولايات المتحدة الأمريكية، مسبباً عدداً من الإصابات وفارضاً نسخة مخففة من الإجراءات الإيطالية، قابلة للتطور والتشديد في أي لحظة. في تلك الأثناء أخذت البورصات العالمية في التهاوي، وأخذت ثروات أثرياء العالم في التناقص، فبحسب تقرير إيكونومي بلس فقد تراجعت ثروات الأثرياء بمقدار 444 مليار دولار فقط في أسبوعٍ  واحد، ترافقت تلك الموجة مع تراجع أسعار النفط وتوقف حركة السياحة والسفر.

وفي تلك الأثناء أُجريت الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشح الحزب الديمقراطي للمنافسة في انتخابات الرئاسة الأمريكية، فيما يُعرف باسم “الثلاثاء الكبير” يوم 3 مارس/آذار، والذي بدأ بعدد من الولايات التي يمتلك فيها الحزب الديمقراطي قاعدة شعبية كبيرة، لتتبعه انتخابات يوم الـ10 مارس/آذار، والغرض هو جمع أكبر عدد من الأصوات والنقاط للحصول على ترشيح الحزب؛ ومن ثم مواجهة دونالد ترامب في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

لكن الانتخابات هذه المرة تبدو مختلفة، وهناك أشكال من التجييش والحشد للدفع في اتجاه محدد بعيداً عما يمكن أن تفرزه الأمور لو سارت بطبيعتها. إذ يتضامن التيار الديمقراطي الرسمي وراء مرشحه “جو بايدن”. هذا الدعم اللامحدود الذي يحظى به بايدن هدفه فقط إطاحة بيرني ساندرز من السباق، قبل أن ينتهي به المطاف مهزوماً أمام ترامب. وهو ما يدفعنا إلى التساؤل: لماذا يحدث هذا؟

من هو بيرني ساندرز؟

ينحدر بيرني ساندرز من عائلة يهودية تنتمي للطبقة العاملة في بروكلين، وخلال فترة دراسته في جامعة شيكاغو عمِل ناشطاً سياسياً من أجل حركة المساواة العرقية، بالإضافة لكونه مُنسقاً للحركة اللاعنيفة المعنية بالدفاع عن الحقوق المدنية في الستينيات. وبعد استقراره في ولاية فيرمونت الأمريكية عام 1981، تم انتخابه لأكثر من ثلاث مرات، عمدةً للولاية بشكل مستقل، وذلك قبل أن يتم انتخابه كسيناتور في أعوام 2006 و2012 و2018. وخلال عام 2015، أعلن ترشحه لانتخابات رئاسة الجمهورية تحت مظلة الحزب الديمقراطي، وعلى الرغم من ضعف التوقعات والتشكك في قابليته للوصول إلى هذا المنصب، فقد حصد بيرني 45% من الأصوات التمهيدية لانتخابات الحزب، ليخسر في النهاية بفارق ضئيل أمام هيلاري كلينتون.

يُصنّف بيرني ساندرز ومشروعه الذي حشد له خلال انتخابات 2016 وهذا العام 2020، بأنه مشروع “اشتراكي ديمقراطي”، يعود الفعل السياسي فيه للدولة وليست لجماعات الضغط “اللوبي” ومجموعات المصالح الاقتصادية التي تخدم على المصالح السياسية لرجال النفط والمال والدواء وغيرها. ينحاز بيرني ساندرز في المعترك السياسي لمصالح الفئات المختلفة من المواطنين، مصالح الطبقات العاملة والسود واللاتينيين وحتى الفئات الدينية والسياسية المختلفة، يتحدث عن إعادة فرض الضرائب على الشركات الكبيرة أمثال أمازون وغيرها والتي لا تدفع قيمة معتبرة من الضرائب، في حين يُراكم أصحابها الثروات في ملاذاتهم الآمنة. يتحدث بيرني عن ضرورة العودة للعمل بنظام الرعاية الصحية، بعد أن ساهم الجمهوريون تحت غطاء المنظومة النيوليبرالية في تعطيله منذ ريغان مروراً ببوش وحتى دونالد ترامب، على الجانب الآخر يخطط لإسقاط الديون الجامعية التي اقترضها الطلبة من أجل إكمال تعليمهم.

باختصار يقدم ساندرز مشروعاً تقدمياً ذا غرض أوحد وهو إنهاء احتكار السياسة من قِبل رجال المال وأصحاب المصالح الخاصة. يقدم بيرني هذا المشروع وهو يقف ضد المنظومة السياسية بأكملها، ليست المحافِظة فقط ولكن الليبرالية أيضاً، ولذلك يوصف مشروعه دائماً بالتطرف والراديكالية، وهو ما يجعلنا نتساءل:
هل هو متطرف فعلاً؟

صعود وهبوط الاشتراكية الديمقراطية في أمريكا

“ينبغي لنا أن نصارع الأعداء القدامى من أعداء السلام والاحتكار المالي، والمضاربة، والتهور والمجازفة المصرفية، والكراهية الطبقية، والإقليمية، والمتربحين من الحرب. لقد بدأوا في اعتبار حكومة الولايات المتحدة مجرد ذيل وملحق بشؤونهم الخاصة، ونحن نعرف الآن أن الحكومة مع المال المنظشَّم هي بالضبط خطر، مثلها في ذلك مثل حكومة مع الرعاع المنظمين”.

  • الرئيس الأمريكي الراحل فرانكلين روزفلت

جاءت الصفقة الجديدة التي قدمها فرانكلين ديلانو روزفلت كنموذج لحل أزمة الانهيار الاقتصادي الكبير عام 1929، تقوم فيه الدولة بفرض ضرائب كبيرة على الثروة والشركات لتمويل مشاريع أخرى مثل الضمان الاجتماعي وإعانات البطالة وبرامج الرعاية الصحية. هذه الصفقة التي امتدت من الثلاثينيات وحتى سبعينيات القرن العشرين، جاءت لتحل عديداً من المشكلات، بداية من الكساد العالمي وحتى الحرب العالمية الثانية مروراً بالحرب الباردة، والأهم من هذا أنها جاءت لإنهاء وضع “اللامساواة” وغياب العدالة الذي أنتجه العصر السابق عليها والذي تسيده محتكرو النفط والحديد والصلب وغيرهم من رواد الصناعات الثقيلة. انعدام المساواة وانتشار معدلات الفقر والكساد خلقا وضعاً ساعد على إمكانية دعم هذه الخطة الجديدة. فالجنوب ذو المزاج الجمهوري والذي يصوت لترامب وسياسات النيوليبرالية الآن، كان وقتها الإقليمَ الأمريكي الأكثر فقراً والأكثر دعماً لسياسات الاشتراكية الديمقراطية، وهو ما جعل السياسة الامريكية نفسها أقل استقطاباً، فنتائج الصفقة الجديدة كانت أكثر إحراجاً لكل من دعوا إلى ضرورة إلغائها، لحد أن اعتبرهم خليفة روزفلت، هاري ترومان أغبياء.

ثنائية الاستقطاب السياسي وسياسات المساواة واللامساوة مترافقان إلى حد أن اعتبرها نولان مكارثي وهوارد روزنتال نوعاً من “الرقص”؛ حيث تتحرك اللامساواة الاقتصادية مع الاستقطاب السياسي كأنهما شيء واحد، ومن خلال دراسة هذه الوحدة تبيّن أن الجمهوريين قد تحركوا إلى اليسار أقرب إلى الديمقراطيين، لكن منذ السبعينيات أخذوا في التحرك ناحية اليمين، مسببين هذا الاستقطاب الذي نراه اليوم.

فمع صعود ريغان أخذت سياسات الصفقة الجديدة في الانهيار تدريجياً؛ أولاً بإلغاء المعدلات العالية من الضرائب على الدخل والثورة، والعمل على تفكيك النقابات العمالية والحركات النقابية بجميع أشكالها، وتحرير قطاع الأعمال من جميع القيود السياسية والمساءلات القانونية. هذه السياسات جاءت مدعومة بنظرية اقتصادية جديدة هي “النيوليبرالية” التي دعمتها مدرسة فون هايك وتلميذه ميلتون فريدمان وخريجي الأكاديميات الاقتصادية في شيكاغو وغيرها. مثّل هذا الاستيلاء السياسي من نخب الاقتصاد الصاعدين وتحت غطاء سياسات اليمين والحركة المحافظية الجديدة، نوعاً من الانقلاب على كل منجزات الصفقة لصالح الأثرياء الجدد ولصالح تراكم الثروات وزيادة أعداد البليونيرات، وعلى جانب آخَر زيادة أعداد الفقراء والمديونية العالمية من دول العالم الثالث.

نهاية النيوليبرالية

خلال العقدين الماضيين، قام عدد من المفكرين والباحثين في علوم الاجتماع والاقتصاد برصد معدلات “اللامساواة” المتصاعدة في العالم، فيقدم توماس بيكيتي بكتابه “رأس المال في القرن العشرين” إحصائيات مهمة تُفند مزاعم النيوليبرالية بخصوص رفع مستوى حياة البشرية، وإنما الحقيقة أنها تفعل العكس تماماً، فهي ترفع معلات ثراء فئات معينة من أصحاب المصالح ليصبحوا مليارديرات جدداً.

في نهاية عقد التسعينيات تحدث فوكوياما عن نهاية عصر الأيديولوجيا، فمع انهيار الاتحاد السوفييتي وزوال الأيديولوجيا الشيوعية تحرر العالم من سطوة الأيديولوجيات جميعها، لينتهي الصراع بتسيُّد النيوليبرالية عالم الاقتصاد والسياسة. لكن الإعلان عن موت التاريخ ووفاة الأيديولوجيا هذا لم يلبث أن تحوّل إلى العكس، فيخبرنا المفكر السلوفيني سلافوي جيجك في كتابه “تراجيدية في البداية، هزلية في النهاية” بأن الأيديولوجية النيوليبرالية تلقت ضربتين قاسيتين خلال اﻷعوام العشرين الماضية، تمثلت الأولى في أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 مع تفجير برجي التجارة العالميين وما نتج عنه من حرب شعواء جديدة وأيديولوجية إسلاموية تُهدد العالم؛ ومن ثم نرى أسوأ ما في الليبرالية أخلاقياً مثل معسكرات “أبوغريب” و”غوانتنامو” وغيرها.

والضربة الثانية تمثلت مع أزمة الرهون العقارية في 2008 والتي تسببت في انهيار البورصات العالمية وإفلاس مجموعات مالية واستشارية كبيرة أمثال مجموعة الأخوان ليمان وغيرها من البنوك والشركات في عالم وول ستريت. تلك الأزمة الاقتصادية قررت في النهاية اللجوء إلى الدولة وسياسات الإصلاح المالي التي أقرها سياسيو الدول الكبيرة، عن طريق إقراض المؤسسات المتعثرة وشبه المفلسة من أموال ومدخرات الشعوب، هذا الإصلاح جاء بالمخالفة لفلسفة النيوليبرالية أصلاً، والتي ترفض أي تدخُّل من الدولة في طريقة عملها، لتأتي هذه الأزمة وتكشف خداع تلك الفلسفة وعدم جديتها بالأساس.

كل هذه المعضلات جاءت لتعلن نهاية عصر النيوليبرالية، وفي محاولة تأخير هذا الإعلان تصاعدت موجات اليمين ومحاولته التعويض عن أزمة النيوليبرالية التي يُعتبر هو ممثلها الجديد، عن طريقة لغة شعبوية جديدة وخطاب قائم على الهوية يحاول سادة المنظومة تشتيت الأزمة الحقيقية لاتجاهات أخرى بعيداً عن المعضلة الحقيقية.

في هذا السياق يُعتبر موقع بيرني ساندرز مُبرراً، وهو لا يأتي بالجديد على كل حال، الجديد هو هذا الوضع المأزوم الذي لا يزيد عمره على ثلاثين عاماً فقط، لكن المختلف هذة المرة هو الاستقطاب السياسي. فالقضية ليست بين الديمقراطيين والجمهوريين، وهي ليست بين ترامب وبيلوسي ومحاولاتها لعزله، الاستقطاب الحقيقي بين سياسيي المؤسسة بالكامل على كل توجهاتهم وبيرني ساندرز وتياره، فالخلاف بين الحزبين الآن لا يزيد على كونه خلافاً على مستوى الخطاب، إنما أصحاب المصالح الشخصية (الذين حذَّر منهم فرانكلين روزفلت فيما سبق) لم يتغيروا. هنا علينا أن نوافق جيجك فيما قاله: “علينا أن نقدم لبيرني ساندرز دعماً غير مشروط”، فما تعنيه صفقته الجديدة هو تغيُّر في السائد اليوم، سياسياً واقتصادياً، وعلى الرغم من القسوة التي يتعرض لها من قِبل المنظومة واحتمالات هزيمته الكبرى، فإن تياره لن يتوقف هنا، نحن نشهد تغيُّراً يتدحرج كما تتدحرج كرة الثلج. وباختصار فإن كل من يخبرك اليوم بأن هذا البرنامج وهذا التيار متطرف وعلينا أن نكون معتدلين، فهو يقول لك: دعني أسرقك أكثر قليلاً.

مصطفى هشام هو باحث مصري مهتم بالفلسفة والعلوم الإنسانية

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

انشر الموضوع

اعلام فوري بالاخبار الجديدة .. ضع بريدك